المقداد السيوري

439

اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية

الفصل الثاني : في المستحقّ وفيه أبحاث : الأوّل : في الأسماء ، وهي أربعة : الأوّل : الإيمان وهو لغة التصديق ، وعرفا قيل : الشهادتان ؛ للحديث « 1 » ، ويبطله قوله تعالى : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا « 2 » . وقيل : المعرفة باللّه ؛ لقوله عليه السّلام : « أوّل الدين معرفته » ويبطل بقوله تعالى : فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ « 3 » وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ « 4 » .

--> فإذا جمع اللّه تعالى الناس في الحشر في صعيد واحد ، ويومئذ يصدر الناس أشتاتا سواء كانوا مؤمنين أو كافرين ومنافقين أو المؤمن المطيع العاصي ، يرون كلّهم أعمالهم كلها ويقفون على ما فعلوه ولو مثقال ذرّة من خير وشرّ ، فإن كان كافرا بعد الإيمان أو ناشئا على الكفر يرى أنّ كفره أبطل جميع ما صدر عنه حال الإيمان ، أو أنّ ما صدر عنه كلّه باطل فاسد لا أثر له في حقّه ، وإن كان مؤمنا بعد الكفر أو مؤمنا ناشئا على الإيمان يرى أعماله كلّها حال كفره وقد أبطلها الإيمان وأفسدها ، ولا تأثير لها في حقّه حتّى يوجب الشقاوة ويرى أعماله حال الإيمان كلها ويقرأ كتاب نفسه ويرى أنّه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها . وأمّا المؤمن المطيع العاصي فهو مستحقّ للثواب والعقاب ولم يبطل من أعماله شيء وكلّها باقية في القوّة والاستعداد والتأثير « وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ » . ويظهر ثمرة الاستحقاقين بالميزان لأعماله إن لم يوفّق بالتوبة أو لم تدركه الشفاعة أو العفو الإلهي بأحد أسبابه الكثيرة كما هو مشروح في تلك المسألة . فالإحباط والتكفير بالمعنى الذي قال به المعتزلة - أعني محو السيئة للثواب المتقدّم ومحقه وجعله معدوما أو محو الطاعة للعقاب المتقدم وجعله معدوما أو بالموازنة - باطل عقلا ولا دليل عليه من النقل شرعا ؛ فإنّ معنى الآيات الشريفة هو ما ذكرناه وشرحناه ، أعني الإبطال والإفساد لا المحو والمحق والإفناء والإعدام ، كما توهّموه ، قال اللّه تعالى : « لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ » وقال تعالى : « وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » وقال : « حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ » أي بطلت وفسدت وسقطت عن الأثر ، لا عدمت ومحقت ، واللّه العالم . ( 1 ) لعلّه إشارة إلى ما جاء في الحديث أنّه صلّى اللّه عليه وآله قال : « أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا : لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه » . ( 2 ) الحجرات 49 : 14 . ( 3 ) البقرة 2 : 89 . ( 4 ) النمل 27 : 14 .